" للخرتيت الحق في
الحياة كبشر ، وان الانسانية ماتت ، وان
اولئك الذين يتمسكون بها ، ما هم الا اشخاص عاطفيون قدماء " .
هكذا تكلم "جان" ، المثقف ، بطل مسرحية "الخرتيت" قبل
ان يتحول هو الاخر لمجرد خرتيت ضمن القطيع .
مسرحية الخرتيت لاوجين يونسكو ، احدى روائع المسرح العبثي الفرنسي بل
والعالمي ، الذي ارادها كاتبها ، صرخة ، في وجهه التصاعد المفاجئ للفاشية في
اوروبا ، تدور المسرحية عن ظاهرة غريبة في بلده فرنسية محلية بدأ سكانها في التحول
لخراتيت ، عدا بطل المسرحية "برنجيه"
الذي لا يستسلم للتحول الشامل لكل من حوله ، ليقف في نهاية المسرحية وحيدا ، مطلقا
صرخته بشجاعة في وجهه حشود الخراتيت ،
"لن استسلم " ولن اتنازل عن انسانيتي وان فعل كل من حولي .
انتشرت في الايام الماضية حملة تضامن واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي مع
شاب صغير توفى اثر تدهور حالته الصحية بعد الاهمال في علاجه الطبي بالسجن على
خلفية اعتقاله بتهمة التصوير لاحدى مظاهرات الاخوان وانصارهم ، ولمعرفتي التامة -بحكم
عملي العام -لما يحدث داخل سجون النظام من
تنكيل بدني ومعنوي ، تعاطفت مع مأساة هذا الصغير الذي لم يرتكب اي جرم يستدعي
توقيفه وما حدث له بعد ذلك ، رفضا مني للاضطهاد على الخلفية الفكرية الذي تمارسه
السلطة الحاكمة واتساقا مع مبادئي الاشتراكية المنادية بالحرية والمساواة والعدالة
الاجتماعية والتي جعلتني اشارك في ثورة 25 يناير و 30 يونيه واعارض سياسات السيسي
ونظام حكمه .
حتى الان بدى لي كل شئ طبيعيا ، شاب لم يتجاوز العشرين تعرض للتنكيل
والتعذيب على خلفية افكاره – المتعارضه معي قلبا وقالبا – والذي اراه ضحية انتشار
افكار الفاشية الدينية بالمجتمع من منتصف السبعينات ، فتعاطفت معه لانه رمز لمئات
الالوف من ضحايا الرجعية الدينية والعسكرية في مجتمعاتنا العربية ؛ حتى فوجئت
بسيول من الشتائم والتهكم والمزايدات الفارغة على الشاب المسكين وعلى من ابدى
تعاطفا معه ، من أناس يحسبون على الخط الثوري المنادي بالحرية وبالعدالة !!
تخيل ان هؤلاء رؤوا في مخالفة الشاب الفكرية لهم ،سبب كافي لتصفيته الجسدية
، وسبب أدعى لسب من تعاطف معه !!
فنسي هؤلاء ان ما يفرقنا كتقدميين عن غيرنا ، هي قيمنا المنادية بقيم
الحرية والمساواة والعدالة للجميع ،فخلطوا بين الخصومة الفكرية وبين القمع على
الهوية الفكرية ، فسقطوا في بئر عميق من التعصب والكراهية ، ويبقى السؤال ، اذن ما
الفرق بين هؤلاء
"الشتامين" وبين معسكر الفاشست الديني والفاشست العسكري
؟
الاجابة الوحيدة الصحيحة في هذا الصدد ،انه لا فرق ، فكلهم فاشين متطابقي
الجوهر ، الفرق فقط في المسميات والمبررات .
ان الاشتراكية بالنسبة لي هي حلم " علمي " بحياة افضل لملايين
البشر ، يفصلنا عن تحقيق هذا الحلم اصحاب مصلحة في الابقاء على الاوضاع الظالمة
التي نحيا بها ، ومن هنا وجب علينا محاربتهم رافعين شعارات الحرية والعدالة للجميع ، لا ان ننزلق ونصير مثلهم فنبرر القهر
والاستبداد بشعارات براقة .
اعلم ان كثيرون لن يروقهم حديثي عن الحرية والاشتراكية على هذا النحو ،
ولكني ابدا لن " اتخرتت " ولن افرط في مبادئي ولو وقفت وحيدا في زمن
الخراتييت .

تعليقات