"ان التراث الديني
معطى ، علينا ان نشتغل عليه ، لنحوله من معرفة جامدة او ميتة ، والا نتعامل معه
كسلطة مقسة ، وانما ينبغي التعامل معه كرأسمال رمزي ومخزون للتأويل ، والذين
ينتهكون التراث هم حماته الذين يتعاملون معه كسلطة مقدسة " ، لم أجد كلمات
للمقدمة خير من كلمات المفكر اللبناني "علي حرب" في نقده للتراث الديني
، واعني هنا بالتراث كل الاراء والاجتهادات والتفسيرات للنص والوحي المقدس .
جرى العرف عند تناول قضية
الخلافة ، ان يتم تناولها بشكل عاطفي سواء كان الكاتب /المفكر من المؤيدين لها
أومن المتعارضين معها او مع الذين يرفعون شعارها ، اما بالنسبة لي فالنظرة للخلافة
ينبغي ان تنفصل عن النظرة لقضية الدعوة لعودة الخلافة ، فتلك نقرة وتلك نقرة أخرى
، فتناول مسألة الخلافة كشكل من أشكال الحكم تاريخيا ينبغي النظر اليها – كما
يتراءى لي – كمسألة تراثية تاريخية محضة تشكلت في ظل ظرف تاريخي معين حقق بعض
النجاحات على كثرتها او قلتها ، وبالطبع احتوى على اخطاء وسلبيات كأي نمط من انماط
الحكم ، اما النظر للدعوة للخلافة التي يرفعها اليمين الديني فهي لا تعدو كونها
قناع زائف يخفون وراءه نواياهم في القفز على السلطة وتشكيل المجتمع وفقا
لمعتقداتهم البالية .
نعود لمسألة الخلافة ، فالقارئ
الجيد او حتى شبه الجيد لتاريخ الخلافة الاسلامية ، سيصل انها لا تعدو كونها نظام
حكم ملكي وراثي – باستثناء فترة الحكم الرشيد ،والاستثناءات لا يقاس عليها – قام
وانتهى بالتحكم للسلاح "الخلافة الاموية / العباسية / العثمانية" أستمد
شرعيته من ارتباطه بالتراث الاسلامي وضرورة توحد المسلمين خلف راية الاسلام ووجود
امام للمسلمين يجمع كلمتهم ، وبذلك أضحت مسألة الخلافة شأنها شأن أي مسألة تراثية
مرتبطة بالتراث الاسلامي ، تحاط بهالة من التقديس المطلق الذي يخلو من القصور او
المثالب والثغرات ، حتى رأينا تقديسا للخلافاء وبعض تصرفاتهم التي لا تعدو الان
سوى جرائم بحق الرعية تستوجب محاكماتهم ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، نشرت مجلة
الازهر في عددها الاخير بشهر يوليو 2016 م ، الموافق شوال 1437ه ، في باب "
طرائف ومواقف " للشيخ عبد الحفيظ
محمد عبد الحليم "، موقفين لقوا احتفاء واعجاب من " سيدنا الشيخ "
،الاول موقف لمعاوية بن ابي سفيان حين نذر من اموال الدولة ثلاث مئة ألأف دينار
لعبد الله بن الزبير نظير القاءه ثلاثة ابيات شعرية !!!
تخيل بيت من الشعر يساوي مئة الف دينار لمجرد انها لاقت اعجاب خليفة
المسلمين !!!
اما الموقف الثاني فيخص حادثة مرض الخليفة "عبد العزيز بن مروان
" حين دخل عليه احدهم مخاطبا اياه "لو ان سرورك لا يتم الا بأن تسلم
وأسقم أنا ، لدعوت ربي ان يصرف ما بك ألي ، ولكن أسال الله لك ايها الامير
بالعافية ولي في كنفك النعمة " ، فأمر له الخليفة بجائزة جزاءا لنفاقه .
اي قيم تلك التي يدعونا اليها "سيدنا الشيخ" ؟! ترى هل شغل ذهنه
قليلا مستعرضا تلك المواقف قبل ان يخرج بها علينا ؟
بالطبع لا ، فكاتب المقال شأنه في ذلك شأن كثير من العلماء والمتدينون ، في
نظرتهم المقدسة للتراث الاسلامي عموما وفي القلب منه الخلافة ، وهنا مكن الخطورة ،
فهؤلاء قد جعلوا من الاجتهادات والتجارب التاريخية بما فيها من أخطاء وكوارث في
بعض الاحيان ، جزءا من الدين ، حتى رأينا أمثال حسن البنا يخرجون علينا بأن الدعوة
للخلافة هي فرض على كل مسلم حتى يصح اسلامه .
تصور ان الدعوة لحكم ملكي وراثي قائم على السيف والاستبداد يجعل من الحاكم
نص اله ، هو فرض على كل مسلم حتى يصح اسلامه !!
وبذلك يقف هؤلاء المتنطعين محاربيين كل ما قامت عليه الحداثة من قيم
الديموقراطية والدولة المدنية والوعي السياسي ، تارة بالتفريق بين ابناء المجتمع
الواحد على اساس الجنس "رجل /امرأة" او على اساس الانتماء الديني "
مسلم /غير مسلم " ، وتارة بدعوى انه لا ديموقراطية بالاسلام وانما شورى
للمسلمين ، وبالاحرى من يصح اسلامه وفقا لاراء من يطلقون عليهم أهل الحل والعقد ،
والى أخره من دعائم دولة ثيوقراطية تجعل من الدين سيفا على رقاب المخالفين للحكام
وحاشيته .
وأخيرا اذا اردنا المحافظة على
الدين الاسلامي ، فعلينا تصفية التراث او الموروث الديني من الانحرافات الفكرية
والخرافات التي تتعارض مع ما جاءت به الاديان وجاء به الانبياء من مبادئ وقيم
فاضلة كالعدل والاحسان والحرية والمساواة بين الناس ، وكذلك مع ما قامت عليه
الحداثة من قيم الديموقراطية والدولة المدنية والوعي السياسي .

تعليقات